من نحن

المجالس الاعضاء

للتواصل معنا

 

 

آفاق التحول إلى الديمقراطية في بلدان الربيع العربي في ظل الواقع العربي الراهن

 

 اتسمت أوضاع بعض الدول العربية في عام 2011 بملمح التغيير نتيجة للوثبة العربية الثورية وجهورية المطالب بالحرية والمساواة , وبعيدا عن تقليدية المسببات فقد جاءت أسباب الفتك بحقوق الإنسان العربي وغياب الديمقراطية وغلق منافذ الحياة السياسية وارتفاع مستوى الفقر والبطالة وانتشار الفساد وسوء توزيع الثروة وعدم تكافؤ الفرص على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية  بثورات حرة تطالب بتعزيز معايير العدالة وقيم الديمقراطية , و كانت وليدة مخاض داخلي لم يلتفت إليه بجدية في لحظات الوجع التاريخي الدفينة ففاجأت هذه الثورات الأنظمة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ومراكز القرار والغرب  بل العالم بأسره  .

ثمة مسلمات تقاطعت حولها آراء المفكرين والباحثين , حيث أن القاسم المشترك بينهم جاء حول انتفاضة الشعوب التي كسرت حاجز الخوف في المجتمعات العربية وأسست لتاريخ جديد لا يمكن التراجع عنه , بل أعادت العرب إلى التاريخ بعد أن كانوا خارجه .

تماهت الإجابات إلى حد بعيد حول الحكم على نجاح أو إخفاق هذه الثورات إلا أن ما يجري في دول الربيع العربي تحديدا، هو مخاض قاس ونضال معقد نحو التحول الديمقراطي المنشود، والذي قد يأخذ زمنا طويلا بحسب باحثين أو قصيرا بحسب آخرين, لكنه في النهاية، وبحسب باحثين كثر، سوف يفضي إلى إقامة دول ديمقراطية قوية وفاعلة، تكون معبرا لانتقال أو تحول حقيقي نحو الديمقراطية.

ومن الضروري جدا أن تثبت الأنظمة الجديدة جدارتها بتعزيز الشراكة السياسية وسيادة القانون وبناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على المؤسسات و صياغة مستقبلها على أسس الديمقراطية الحقيقية وإرساء مبدأ التسامح وثقافة العيش المشترك والانتماء إلى الوطن لتؤكد مقدرتها على تحقيق ماعجزت عنه الأنظمة السابقة وهذا هو التحدي الأكبر أمامها.

ويقصد بالتحول الديمقراطي  حدوث عملية تبدل أو تغيير جذري وشامل في بنية المجتمع، وذلك بسبب فعل الثورات التي تحدث تأثيرات بالغة على كافة المستويات  الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، و لا يقتصر على النظم السياسية فحسب، وبما أن الثورات العربية لم تكتمل مراحلها ولم تنجر كامل أهدافها ولم تستقر بعد، فان  الوقت لازال مبكرا لإعطاء حكما قاطعا حول مدى تأثيراتها العميقة في البنية الاجتماعية والنظم السياسية في المستقبل القريب  وبحسب المؤشرات الراهنة، يمكن رصد ثلاث اتجاهات، حول إمكانية الثورات العربية على إحداث تغيرات جذرية تقود إلى تحول حقيقي نحو الديمقراطية، سواء على صعيد بلدان الربيع العربي أو المنطقة العربية عامة.

الاتجاه الأول، يرى في الثورات الربيع العربي إمكانية حدوث تحولا ديمقراطيا، لكنه يتطلب جملة من الشروط علما بأنه سيأخذ وقتا طويلا. كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أيضا وجود معوّقات من شأنها إعاقة عملية الانتقال نحو الديمقراطيّة، بسَلاسة وبسُرعة، أبرزها ما هو متعلّق بالبنية الفكريّة - السياسيّة لمجتمعات هذه الأقطار الثائرة , وضعف الوعي السياسي في مجتمعاتنا وهو ما يصعب فهم لغة الخطاب السياسيّ المتداوَل الآن

الاتجاه الثاني، يشاطر الاتجاه الأول في إمكانية حدوث تحول نحو الديمقراطية في العالم العربي، بسبب فعل الثورات الشعبية، ولكن يختلف عن الفريق الأول في المدة الزمنية التي سيستغرقها ذلك التحول، وكذلك في نوعية المعوقات المعرقلة أو المعيقة. أما الاتجاه الثالث فيرى  بعض الدارسين لظاهرة الثورات والاحتجاجات عدم  إمكانية صنع أي شكل من أشكال التحول نحو الديمقراطية ويستشهد هؤلاء بالصراعات والانقسامات العميقة التي تحدث في بعض بلدان الربيع العربي . 

وتتلخص اهم مظاهر التحول الايجابي لثورات الربيع العربي في الاتي :

زيادة الوعي الشعبي وتحرر الشخصية العربية من الخوف وتحدي القبضة الأمنية  وبروز مفهوم العدالة الانتقالية كمخرج لتجاوز الأزمات , كما رافق مشهد التغيير في الوطن العربي إدخال تغييرات واسعة النطاق على البنية الدستورية والتشريعية وإجراء إصلاحات عززت من مضمون حقوق الإنسان والمواطنة ونزاهة الانتخابات وحرية المشاركة وتعزيز دور المجتمع المدني وظهور فاعلين جدد والقضاء على مشروع التوريث 

ويمكن قراءة المشهد السياسي بعد الربيع العربي على ثلاث مجموعات من الدول والحكومات:

المجموعة الأولى: حكومات الثورات التغيرية والإصلاحية والتي تعبر إلى حد كبير عن مطالب وطموحات الشعب.والمجموعة الثانية: حكومات الإصلاح المحدود والتي تمكنت من احتواء حركة الاحتجاج بإجراءات إصلاحية محدودة.أما المجموعة الثالثة فهي حكومات الأمر الواقع مع تعديلات شكلية طفيفة لم تزل فرصة الحراك والثورة الشعبية فيها قائمة.

 تحديات التحول الى الديمقراطية :

لقد اجترحت ثورات الربيع واقعاً جديداً، بيد أن درس التاريخ يعلمنا أن طرد مستبد من قصره لا يعني بالضرورة سقوط النظام الذي يمثله , لذلك تواجه "المرحلة الانتقالية" في مجتمعات الثورة تحديات عدة اهمها

-         إن تحدي إدارة المرحلة الانتقالية يمثل قمة التحديات بسبب انفراط قواعد الحياة العامة ونظم الأمن السابقة، وحاجتها لإعادة البناء على عجل بوصفها الضامن لانتقال سلمي للسلطة نحو مرحلة الديمقراطية والحرية في البلاد.و تشكل الفجوة بين التوقعات والانجازات تحديا آخر

-         ثورات الربيع ليست كيانا متجانسا  فالتناقضات تعصف بالقوى الفاعلة فيها

-          التزامن بين معضلتي إعادة بناء الدولة الوطنية وتحقيق التحول الديمقراطي :هناك مشكلات ترتبط بالتكوين السوسيولوجي للمجتمعات العربية , فالثورات والانتفاضات في هذه الدول أنعشت الولاءات الأولية (القبلية والطائفية والعرقية والدينية والجهوية )، وهو أمر له تأثيراته على مفهوم وكيان الدولة الوطنية في هذه البلدان.

-         هناك معوقات ترتبط بالبنية الفكرية – السياسية لمجتمعات هذه الأقطار من هذه المعوقات وهي انحسار الفكر الليبرالي الديمقراطي في هذه البلدان وضعف الوعي السياسي وهو ما يصعب فهم لغة الخطاب السياسي المتداول الآن وثالثها أسلوب التفكير الشمولي لدى أطراف المشهد السياسي العربي , أي أن الواقع الحالي متأزم بجملة من الإشكاليات الفكرية والسياسية والقيمية والدستورية التي انفجرت مرة واحدة مما يجعلنا في حالة من التفكيك وإعادة البناء

-         من الإشكاليات الكبرى التي افرزها الوضع الحالي دخول الجماهير غير المسيسة في عمق السياسة 

-         لا يخفى على احد أن ثورات الربيع الجارية لم تفلح بعد في استئصال جذور الأنظمة السابقة وان أسقطت عددا من رؤوسها وفي تطهيرها من رموز الفساد  والتسلط فهذه العناصر تشكل " جيوب مقاومة " ما زال خطرها قائما وتجعل مسار التغيير صعبا وبطيئا كما ان الحشد والحشد المضاد أعاق مرحلة التحول إلى الديمقراطية

-         الوضع الاقتصادي المتهالك وضعف وهشاشة أجهزة الدولة ومؤسساتها في جميع دول الربيع العربي، مما يجعلها غير قادرة على القيام بوظائفها بفاعلية وكفاءة، كما ان أسلحة القوى والمليشيات التي ارتبطت بفترة المواجهة والحرب، تشكل أيضا تحديا أمام عملية التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي، وتقتضى الضرورة إلى نزعها ووضع حد لمظاهر التسلح في المجتمع

هناك العديد من الآليات التي يجب إتباعها من اجل الحفاظ على ما أنجزته ثورات الربيع وبناء المستقبل نورد بعضا منها كما يلي :

-         تقليص التأثيرات السلبية للانتماءات (العرقية والدينية والطائفية والقبلية) على عملية التحول الديمقراطي والمشاركة السياسية من خلال  التحرك بفاعلية على طريق بناء ثقافة للعيش المشترك تستند إلى تكريس أسس ومبادئ المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية،

-         تأسيس نظام ديمقراطي من خلال  تحقيق مصالحة وطنية شاملة وحقيقية تشكل أرضية للسلم الأهلي والانتقال الديمقراطي، وإعادة بناء أجهزة الدولة ومؤسساتها - وبخاصة الجيش والشرطة - على أسس جديدة، بل وإعادة تأسيس مفهوم الدولة وشرعيتها في الوعي الجمعي لمختلف الفئات والتكوينات الاجتماعية التي تعيش على أراضيها، بحيث تستقطب تدريجياً الولاء الأسمى لمواطنيها.

-         تقع على عاتق القوى السياسية بمختلف أطيافها وتوجهاتها مسؤولية كبيرة في إنجاح عملية التحول الديمقراطي من خلال تطوير خطاباتها السياسية، وتحديث ِهياكلها التنظيمية، وتوسع من قواعدها الاجتماعية من خلال ممارسة العمل السياسي بين الجماهير وليس عبر وسائل الإعلام

-         حضور الإرادة الشعبية ,بدءا من صياغة الدساتير، وسن القوانين، وصولا إلى توزيع الثروات، وصياغة الهياكل المنظمة لشئون الحياة. و إعلاء صوت المؤسسة بقيمها وقوانينها العادلة على صوت الفرد بديكتاتوريته وظلمه،

-         ضرورة الفصل بين السلطات الثلاث , التشريعية والتنفيذية والقضائية , وتحديد طبيعة العلاقة بينها بما يضمن فعلها وتفاعلها فيما بينها , دون طغيان إحداها على الأخرى

-         الاهتمام بدرجة عالية بالتنمية البشرية , وخاصةً مسألة تعميم التعليم والتقدم العلمي والتقني , ومكافحة البطالة  , والاهتمام بالشباب وإشراكهم في الحياة العامة